أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
553
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بمذهب أبي حنيفة : وهو أنّ الفيئة في مدة أربعة الأشهر ، ويؤيّده القراءة المتقدّمة احتاج إلى تأويل الآية بما نصّه : « فإن قلت : كيف موقع الفاء إذا كانت الفيئة قبل انتهاء مدة التربّص ؟ قلت : موقع صحيح ، لأنّ قوله : « فَإِنْ فاؤُ ، وَإِنْ عَزَمُوا » تفصيل لقوله : « للذين يؤلون من نسائهم ، والتفصيل يعقب المفصّل ، كما تقول : « أنا نزيلكم هذا الشهر فإن أحمدتكم أقمت عندكم إلى آخره ، وإلّا لم أقم إلّا ريثما أتحول » . قال الشيخ « 1 » : « وليس بصحيح ، لأنّ ما مثّله ليس بنظير الآية ، ألا ترى أنّ المثال فيه إخبار عن المفصّل حاله ، وهو قوله : أنا نزيلكم هذا الشهر ، وما بعد الشرطين مصرّح فيه بالجواب الدالّ على اختلاف متعلّق فعل الجزاء ، والآية ليست كذلك ، لأنّ الذين يؤلون ليس مخبرا عنهم ولا مسندا إليهم حكم ، وإنما المحكوم عليه تربّصهم ، والمعنى : تربّص المؤلين أربعة أشهر مشروع لهم بعد إيلائهم ، ثم قال : « فإن فاؤوا وإن عزموا » فالظاهر أنّه يعقب تربّص المدة المشروعة بأسرها ، لأنّ الفيئة تكون فيها ، والعزم على الطلاق بعدها ، لأنّ التقييد المغاير لا يدلّ عليه اللفظ ، وإنما يطابق الآية أن تقول : « للضيف إكرام ثلاثة أيام ، فإن أقام فنحن كرماء مؤثرون وإن عزم على الرحيل فله أن يرحل » فالمتبادر إلى الذّهن أنّ الشرطين مقدّران بعد إكرامه » . قوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ : مبتدأ وخبر ، وهل هذه الجملة من باب الخبر الواقع موقع الأمر أي : ليتربّصن ، أو على بابها ؟ قولان . وقال الكوفيون : إنّ لفظها أمر على تقدير لام الأمر ، ومن جعلها على بابها قدّر : وحكم المطلقات أن يتربّصن ، فحذف « حكم » من الأول و « أن » المصدرية من الثاني ، وهو بعيد جدا . و « تربّص » يتعدّى بنفسه لأنه بمعنى انتظر ، وهذه الآية تحتمل وجهين ، أحدهما : أن يكون مفعول التربص محذوفا وهو الظاهر ، تقديره : يتربّصن التزويج أو الأزواج ، ويكون « ثلاثة قروء » على هذا منصوبا على الظرف ، لأنّه اسم عدد مضاف إلى ظرف ، والثاني : أن يكون المفعول هو نفس « ثلاثة قروء » أي ينتظرون مضيّ ثلاثة قروء . وأمّا قوله : بِأَنْفُسِهِنَّ فيحتمل وجهين : أحدهما وهو الظاهر : أن يتعلّق ب « يتربّصن » ، ويكون معنى الباء السببية أي : بسبب أنفسهنّ . وذكر الأنفس أو الضمير المنفصل في مثل هذا التركيب واجب ، ولا يجوز أن يؤتى بالضمير المتصل ، لو قيل في نظيره : « الهندات يتربّصن بهنّ » لم يجز لئلا يتعدّى فعل المضمر المنفصل إلى ضميره المتصل في غير الأبواب الجائز فيها ذلك . والثاني : أن يكون « بأنفسهنّ » تأكيدا للمضمر المرفوع المتصل وهو النون ، والباء زائدة في التوكيد ، لأنه يجوز زيادتها في النفس والعين مؤكّدا بهما . تقول : جاء زيد نفسه وبنفسه وعينه وبعينه . وعلى هذا فلا تتعلّق بشيء لزيادتها . لا يقال : لا جائز أن تكون تأكيدا للضمير ؛ لأنّه كان يجب أن تؤكّد بضمير رفع منفصل ، لأنه لا يؤكّد الضمير المرفوع المتصل بالنفس والعين إلّا بعد تأكيده بالضمير المرفوع المنفصل فيقال : زيد جاء هو نفسه عينه ، لأنّ هذا المؤكّد خرج عن الأصل ، لمّا جرّ بالباء الزائدة أشبه الفضلات ، فخرج بذلك عن حكم التوابع فلم يلتزم فيه ما التزم في غيره ، ويؤيّد ذلك قولهم : « أحسن بزيد وأجمل » ، أي : به ، وهذا المجرور فاعل عند البصريين ،
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 184 ) .